محمد الغزالي

51

فقه السيرة ( الغزالي )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سبيل اللّه » « 1 » . وعن أنس رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ رأسه ، فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول : « كيف يفلح قوم شجّوا نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى اللّه ؟ ! » ، فأنزل اللّه عز وجلّ قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) [ آل عمران ] « 2 » . أرأيت التفريط في أسباب النصر جلب شيئا غير الهزيمة ؟ ! أو لو كان الذين انهزموا هم ممثلي التوحيد الحق ؟ ! أو لو كان الذين انتصروا هم سدنة الوثنية المحضة ؟ ! . وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوة ورّى بغيرها ، ويقول : « الحرب خدعة » « 3 » ، ومع قيامه بالأسباب على ما أوجب اللّه ، واحترامه للقوانين الطبيعية التي تنظّم حياة البشر ؛ مع ذلك فقد استطاعت بعض قبائل العرب أن تخدعه ، وأن تستدرج طائفة من القرّاء من أفضل أصحابه ليقتلوهم عن اخرهم في بئر معونة « 4 » ، فما دلّت على مصارعهم إلا الطيور تحلّق في الجو مرفوفة على أشلاء الشهداء . . . إنّ هؤلاء الرجال الذي ذهبوا ضحية الغدر من أحب خلق اللّه إلى اللّه ، ومع ذلك فما أذن لأحد منهم أن يطير بغير جناح ، أو يتحول عن هذا القدر المتاح كما يفكّر متأخّرة المسلمين اليوم . ولئن كان الحذر والحيطة من سنن النبوة ؛ فإن الإعداد واستنفاد الجهد فيه من اكد هذه السنن ، وبماذا تحسب محمدا عليه الصلاة والسلام انتصر على الناس ؟ . لقد أنضج رجاله بالإيمان كما ينضج الصيف بلهبه البطيء أطايب ثماره ، فلمّا أرسلهم إلى أنحاء الدنيا طوّفوا بها ، ولهم زئير كزئير العاصفة المكتسحة المهتاجة .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 298 ؛ ومسلم : 5 / 179 ، في صحيحيهما . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه الشيخان فيما تقدم أيضا . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه أبو داود : 1 / 411 ، بسند صحيح من حديث كعب بن مالك ، وهو في الصحيحين بنحوه . ( 4 ) انظر : ص 279 وما بعدها ، من هذا الكتاب . ( ن ) .